ابن الحسن النباهي الأندلسي
244
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
وجرى مثل ذلك أيضا بحضرة غرناطة ، منتصف عام 773 ، في كتب ألفيت بها من تواليف محمد بن الخطيب ، فيما يرجع إلى العقائد والأخلاق ؛ فأحرقت بمحضر من الفقهاء ، والمدرّسين من العلماء ، وأماثيل الفقهاء ، لما تضمّنته الكتب المذكورة من المقالات التي أوجبت ذلك عندهم ، وحقّقته لديهم . ومن الكلام الذي استعظم بالأندلس في حقّ القاضي أبي الوليد الباجيّ ، الذي أفصح به قوله عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم إنّه كتب بيده ؛ وكان أصل ذلك أنه قرئ عليه بمدينة دانية « 1 » في كتاب البخاريّ حديث المقاضاة ؛ فتكلّم عليه ، وأشار إلى تصويب من قال بظاهره . فقيل له : « وعلى من يعود ضمير قوله « كتب » فقال : « على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فقيل له : « وكتب بيده ؟ » قال : « نعم ! : ألا ترونه يقول في الحديث : « فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الكتاب وليس يحسن الكتاب ؛ فكتب : هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » قال ابن العربيّ في « سراجه » : فأعملوا ونسبوا كلّ تكذيب وتعطيل إليه ، وكان من قوله إنّ النبيّ الأمّيّ يجوز أن يكتب بعد أمّيّته ؛ فكون ذلك من معجزاته . وكتب أمير وطنه في المسألة إلى إفريقية وصقلّية ، برغبة الباجيّ في ذلك ، فجاءت الأجوبة من هنالك بتصديقه وتصويب مقالته . فسلّم فيها قوم ؛ وصدرت من بعض الفقهاء بالأندلس ، في معرض الردّ لها وإبطال مضمّنها ، أوضاع ، منها جزء للزاهد أبي محمد بن مفوّز . قال صاحب « الإكمال » : فطال كلام كلّ فرقة في هذا الباب ، وشنعت كلّ واحدة على صاحبتها فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا « 2 » . ونرجع إلى ما كنّا بسبيله من الكلام ، فنقول : وأما شهادة الشاهد على خطّ يده في شهادته وهو لا يذكرها ، ففي سماع أشهب : قيل لمالك ، في الرجل يؤتى بخطّ يده على شهادة لا يذكر منها شيئا ؛ قال : أرى أن يرفع شهادته على وجهها ، يقول : « أرى
--> ( 1 ) دانية : بالإسبانية Denia ، وهي مدينة بشرق الأندلس على البحر . الروض المعطار ( ص 231 - 232 ) . ( 2 ) سورة الإسراء 17 ، الآية : 84 .